أخبارتهنئة

عام جديد… يبدأ من الداخل

عام جديد… يبدأ من الداخل

بقلم ماريان عماد

أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك

ليست السنة الجديدة مجرّد رقم يتبدّل على التقويم، ولا احتفالًا صاخبًا يُنهي عامًا ليبدأ آخر.

 بل هي لحظة رمزيّة عميقة، نقف فيها وجهًا لوجه أمام أنفسنا، بلا أقنعة، بلا أعذار مؤجَّلة.

مع نهاية كل عام، يحدث ما يُشبه الجرد الداخلي. الذاكرة تستدعي ما حاولنا نسيانه، وما بالغنا في تضخيمه، وما مرّ بنا دون أن نلتفت إليه.

الفرح الذي لم نُعطه حقّه، والحزن الذي خبّأناه تحت السجادة، والتجارب التي عبرتنا وتركَت أثرها في صمت.

 النفس البشرية بطبيعتها تبحث عن معنى، ورأس السنة يمنحها إطارًا زمنيًّا لتطرح السؤال القديم: من كنت؟ ومن أصبحت؟

يظنّ البعض أن البدايات تحتاج قرارات صارمة وقوائم طويلة من الأهداف. لكن   أغلب الإخفاقات لا تأتي من ضعف الإرادة، بل من القسوة على الذات.

 نحمّل أنفسنا ما يفوق طاقتها، ثم نلومها حين تتعثّر.

السنة الجديدة ليست امتحانًا لإثبات الجدارة، بل فرصة لإعادة التفاوض مع النفس، بلغة أرحم وأكثر صدقًا.

 أهم ما يمكن أن نبدأ به عامًا جديدًا هو الاعتراف.

 الاعتراف بالتعب، بالخسارات، بالأخطاء التي لم تكن دائمًا خيارًا واعيًا. هذا الاعتراف لا يُضعفنا، بل يحرّرنا.

 فالإنسان الذي يتصالح مع ماضيه، يصبح أقدر على بناء مستقبل لا يشبه جروحه.

كما أن البدايات النفسية الحقيقية لا تحدث عند منتصف الليل، بل في اللحظات الصغيرة: حين نضع حدًّا لعلاقة تستنزفنا، حين نسمح لأنفسنا بالراحة دون شعور بالذنب، حين نختار الصمت بدل التبرير، أو نطلب المساعدة بدل الادّعاء بالقوة الدائمة.

في السنة الجديدة، لسنا مطالبين بأن نكون نسخة أفضل بالمعنى القاسي للكلمة، بل نسخة أصدق.

أن نعيش بوعيٍ أكبر، أن نفهم مشاعرنا بدل الهروب منها، وأن نمنح ذواتنا المساحة التي حُرمنا منها طويلًا.

ربما تكون أجمل أمنية في عام جديد، هي أن نتوقّف عن الهروب من أنفسنا، وأن نبدأ أخيرًا في الإصغاء إليها.

 فهناك، في هذا الإصغاء الهادئ، تبدأ كلّ البدايات الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى